كتابات وآراء


06 سبتمبر, 2014 09:15:00 م

كُتب بواسطة : وضاح السقلدي - ارشيف الكاتب


ان ما عانى منه شعبالجنوب من حرب صيف 1994 م حتى الآن , فاق كل ما عاناه على مدى السنوات الماضية من تاريخهالحديث , بل ان شعباً من الشعوب العربية لم يعانِ مثل ما عاناه ويعانيه شعب الجنوبمنذ ذلك العام وحتى اليوم .

وعلى اثر ذلك انتفضشعب الجنوب بثورة ابهرت العالم , وانتصب كالمارد واقفاً ضد الظلم والطغيان بجبروتهوبمختلف انواع اسلحته وآلته العسكرية وبفساده المستشري في كافة مؤسسات الدولة , كمنظومةفساد متكاملة ومتجانسة ومتآلفة ومتعاونة , حاكمة سيطرتها على الدولة تدير البلاد والعباد .

وتجسد الحراك الجنوبيالسلمي ليمثل رفض الجنوب وشعبه لتلك الاساليب التي مورِست ضد شعب الجنوب والجنوب ,من اقصاء وتهميش وقتل بغير حق واعتقالات طالت ابناء الجنوب بدون مصوغ قانوني , ونهبلثروات ومقدرات وممتلكات الدولة والأفراد.

ان الحراك الجنوبيالسلمي والذي مثَّل انبل وأعظم صور الثورة التحررية , بعدالة قضيته وسلميته وتضحياتابناء الجنوب , سار بخطى ثابتة وواثقة نحو الهدف المنشود وهو استعادة الدولة , وإنهاءعقد الشراكة الصوري والغير قانوني والغير دستوري بحسب دستور جمهورية اليمن الديمقراطيةالشعبية , والمتعلقة بالاتفاقات الدولية ؛ ومن ثم ارتقى مستوى الحراك الجنوبي السلمي, ليواكب الاحداث كما يجب له ان يفعل بعد ان صعّد العمل الثوري , فكان لابد من تصعيدالعمل السياسي , ليعملا بخطى واحدة ومتناسقة وعلى الأسس الذي ثبتها ورسخها الحراك الجنوبيالسلمي , فكان الاعلان السليم في الوقت السليم بأن الحراك الجنوبي السلمي هو الحاملالسياسي للقضية الجنوبية.

فكان من الطبيعيبعد تشكيل اي كيان او منظمة سياسية لابد من ايجاد برنامج سياسي واحد لتحقيق الاهداف, ومن الطبيعي ايضاً ان يواجه بتحديات وصعوبات ومعوقات , تتطلب تكاتف وتعاضد وتآزركافة ابناء الشعب وبخاصة قياداته التي رفعها الشارع ؛ ولكن للأسف غابت عن تلكم القياداتالصورة الكبرى وركزوا وأنهكوا الشعب بالتفاصيل التي لا يجب النظر فيها على الاقل فيهذه المرحلة , حيث دأبوا على ابراز انفسهم كقوى مؤثرة ظناً منهم بأنها الوسيلة الأمثللحشد مؤيدين لهم , ومن ثم تنفيذ اجندتهم الخاصة بهم , فلم تكفهم الأجندة التي اعدهاشعب الجنوب , وصنع منهم قادة كي ينفذوها , لكنهم اغرقوا الشعب الجنوبي في دوامة الصراعاتالتي اختلقوها وافتعلوها , وتجاوزوا شعب الجنوب , وأصبحوا " دكتاتوريين" على شعب بغير دولة .

لا تخطئوا بالظنبل تأكدوا ان هناك نوعان , النوع الاول اشخاص يعتبرون المصلحة الوطنية لها الاولويةعلى كل المصالح بما فيها الشخصية , والنوع الثاني اشخاص يعتبرون المصلحة الوطنية والمصلحةالشخصية وجهان لعملة واحدة , فلدية القناعة بأن ما المانع من تحقيق مصلحته الشخصيةمن خلال سعيه لتحقيق المصلحة الوطنية , وتجاهل انه في لحظةٍ ما قد يعرقل المصلحة الوطنيةلأنه لم يحقق مصلحته الشخصية , وسيختلق اي اعذار , لأنه ببساطة انسان ولكنه اختار انيكون من هذا النوع من الاشخاص .

كان في الماضي وحتىفي بدايات الحراك كان النوع الاول هم الاكثرية , فرأينا كيف كان , وحتى استمراره فهوبسبب صمود الشعب وبسبب انه لازال ذلك النوع من الاشخاص بين ابناء الشعب ومن ابناء الشعبولكن للأسف فقد مورِس ضدهم التهميش والإقصاء من قبل بعض القيادات الأخرى في إطار السببالذي ذكرته آنفاً , وللأسف اصبح الان النوع الثاني هو الاكثر في صفوف القيادات , فعمدواالى الاستمرار بأساليبهم السياسية لإبراز انفسهم على انهم هم القوى المؤثرة ليس فقطلكسب تأييد الشعب بل ان اطماعهم تجاوزت الى رغبتهم في كسب تأييد ودعم القيادات التاريخيةفي الخارج , وتناسوا ان " بعض " تلكم القيادات لديها نفس تلك العلة بل انهماكثر خبرة منهم بها وتجربة , فقد استطاعوا اخفاء اعراضها عن الشعب لسنواتٍ طوال حتىاليوم .

فرأينا كيف استخدموهملتحقيق مصالحهم الشخصية تحت مظلة المصلحة الوطنية , فعلى سبيل المثال عودتهم بل وتصدرهمالمشهد السياسي في الجنوب واليمن , والحديث عنهم وعن منجزاتهم اكثر من الحديث عن شعبالجنوب وشهداءه وجرحاه بل اكثر من الحديث عن القضية الجنوبية نفسها التي اخرجتهم الىتحت الاضواء , وعن ايجاد حلول لها وتفعيل العمل السياسي ليوازي العمل الثوري .

لا توجد هناك دولةكي تتصارع تلك القوى والكيانات والتي بعضها تفرخ منها , لتكسب اكبر قدر من التأييدالشعبي لكي تنفذ اجندتها , فكما اسلفت فهناك اجندة واحدة اقرها شعب الجنوب , فأن كلما يحتاجه هذا الشعب هو برنامج سياسي واحد يمثله ويعبر عنه في الوقت الحاضر ويلبي تطلعاتهوآماله للمستقبل ومستقبل ابناءه ومستقبل دولته والأهم السعي الجاد والعمل المخلص لتحقيقه, فلا يريده حبر على ورق او للتنطع به في المجالس والمقايل والندوات والبيانات .

فللأسف ان ما يتماليوم من تحالفات بين بعض القوى السياسية , والتي لو نظرنا الى برامجها السياسية نجدهامتقاربة جداً والاختلاف قد يكون في الصياغة او ببعض التفاصيل الغير جوهرية ؛ فبالتاليفأن تلك التحالفات تهدف في الاساس الى كسب التأييد الشعبي , وتحييد قوى اخرى موجودةعلى الساحة , فكل تلك القوى لازالت محافظة على برنامجها السياسي بالإضافة إلى انهابرغم تقارب برامجها السياسية فان لكل قوة من تلك القوى ايدلوجية ليست واضحة للأخرىوهذا في اعتقادي سيسبب لهم ازمة في المستقبل القريب , فكلنا يعلم خلفيات تلك القوى, وما تشابه تلك البرامج التي يسوقوها للشعب الجنوبي إلا دليل على انهم يُعلِبون مايريد الشعب ان يسمعه , لان فيه ما لا يتناسب منطقياً مع خلفيتهم السياسية والأيدلوجية .

وهذا يؤكد ما ذهبتاليه في سعيهم لكسب التأييد الشعبي فقط ؛ وهذا النوع من التحالفات يتم في حالة وجوددولة ووجود صندوق انتخابي , وحتى في ظل الدولة فأن هذا النوع يمثل اضعف انواع التحالفاتواقلها فرصة في الاستمرارية لأنه شبيه جداً بالتحالفات الانتخابية , وهذا ايضاً دليلعلى عدم رغبتهم في استمراره لان رغبتهم في كسب اعداد اكبر من الناس اكبر من رغبتهمفي تحقيق مطالب الناس , وشخصنة الموقف السياسي , حيث يكون اما إرضاء للشخص نفسه اوإرضاء لأشخاص آخرين ؛ وللأسف ان هذا النوع من التحالفات هو السائد الآن في الجنوب فتجدهذه الانقسامات التي تحدث والتشرذم سواء على مستوى الكيانات او حتى – وللأسف – علىمستوى الشارع الجنوبي.

بينما ان من الافضلهو تشكيل التحالفات السياسية على أُسس سياسية لتنفيذ البرنامج السياسي وخاصةً ان هناكالعديد من المكونات الجنوبية متقاربة ايدلوجياً , فهذا يمتاز بالاستمرارية والقوة, وحتى القوى التي لديها برامج سياسية , اغرقت نفسها في الحشد والتعبئة , وكأنهما منضمن برنامجها السياسي ولم تعمل على تنفيذ برامجها ؛ فالى الآن كل الكيانات لم تتجرأان تعلن عن الذي حققته من برنامجها السياسي , فمثلاً على مستوى العلاقات الخارجية اوالدولية لم يحققوا الدعم الدولي من اي دولة , والدولة التي اعتقد شعب الجنوب انها تدعمهم, لم تعلن صراحة عن هذا الدعم , بل ان القيادات الجنوبية انكرت هذا الدعم , بل انهاعمدت على مهاجمة دول اقليمية شقيقة ولم تبقِ على شعرة معاوية ؛ وعلى مستوى الحقوق والحرياتلازال شعب الجنوب محتل , ولازال المواطن يشعر بعدم المساواة ولازال يقتل ويسحل ويعتقلجهاراً نهاراً ولازال الصحفي يكسر قلمه ويكمم ويسجن ولم يقوموا بتطوير سلاح الاعلاموهو من اهم الاسلحة السلمية والعصرية ولازالت جهود الباحثين الحقوقيين المضنية متناثرة؛ وعلى المستوى الاقتصادي لازال وضعه سيء جداً وكل يوم من سيء الى اسوأ , وعلى المستوىالاجتماعي لم يحققوا رفع مستوى التعليم , ولا ثقافة ولا رعاية صحية , ولا اسكان ولاتعمير ولا مواصلات .

هذا ليس برنامجيولم اكتبه , هذا جزء من برنامجهم وهم كتبوه وهم اقروه ووعدوا الشعب بتنفيذه , فأنااحاججهم من كلامهم ومن بضاعتهم التي قدموها للشعب الجنوبي , ويريدون من الشعب الجنوبيان يقدم التضحيات تلو التضحيات في سبيل استمرارهم في تنفيذ برنامجهم السياسي الذي اعدوهوهم في كامل قواهم العقلية .

من وجهة نظري ..ان على تلك القوى ان ترفع من كفاءتها السياسية وترتقي بالعمل السياسي بما يتناسب معالمكانة العظيمة التي وصل اليها الحراك الجنوبي وفعله الثوري , وان تمارس العمل السياسيبوعي سياسي ومقدرة وكما ينبغي , وليس كما تعتقد انها تمارس السياسة ؛ وان من انسب التحالفاتاليوم هو التحالف السياسي لمواجهة مخططات النظام في الشمال لإفشال قضية شعب الجنوبوهدفهم السامي ؛ عبر ايجاد قوى سياسية في الجنوب من الجنوبيين تتبع النظام في الشمال, حتى يتفكك الحراك الجنوبي السلمي ويفقد شعب الجنوب هيئته وصورته السياسية , لأنهاالتي سيراها العالم وعلى اساسها سيتعاطى مع قضيتنا بجدية , لان المجتمعين الدولي والإقليميلن يذهبا بطاولتيهما الى الساحات الجنوبية للتحاور مع الثوار , وإنما يحتاجا الى نخبةسياسية لديها مشروع سياسي , عمل على تصميمه وإعداده نخبة من المتخصصين في مجالات الاقتصادوالبحث العلمي والتنمية والحقوق والحريات والإعلام والأمن والدفاع والسياسة الخارجية .

خلاصة .. على القوىفي الجنوب ان تعلم ان لديها عوامل مساعدة كثيرة لتنجحهم , منها انهم تشكلوا من القاعدةوافرزوا من الشعب بعد كل ما عاناه , فعليهم ان يرتقوا حتى يتشكل مناخ سياسي سليم يتبلورفيه كيان او كيانين سياسيين , لان هذا اقصى ما يحتمله الواقع السياسي في الجنوب , ويستطيعانان يواجهان الكيانات السياسية التي تتشكل من القمة اي من السلطة لتنزل الى القاعدةكي تمثلها لانها في الغالب تخدم السلطة اكثر مما تخدم الشعب , وهذا ايضاً عامل سيسهللهم التصدي لمثل هذه الكيانات , لكن كيانات السلطة ستستطيع ان تتحكم في الواقع السياسيفي الجنوب , طالما وان الوضع كما هو عليه اليوم .